علي بن أحمد المهائمي
218
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
هو الّذي يدخله التّعبير ، فإن خرج في الحسّ كما كان في الخيال فتلك رؤيا لا تعبير لها ، وبهذا القدر وعليه اعتمد إبراهيم الخليل عليه السّلام وبقيّ بن مخلّد ، ولمّا كان للرّؤيا هذان الوجهان ، وعلّمنا اللّه فيما فعل بإبراهيم وما قال له الأدب لما يعطيه مقام النبوّة علمنا في رؤيتنا الحقّ تعالى في صورة يردّها الدّليل العقليّ أن نعبّر تلك الصّورة بالحقّ المشروع ، وأمّا في حقّ حال الرّائي أو المكان الّذي رآه فيه أو هما معا ، فإن لم يردّها الدّليل العقليّ أبقيناها على ما رأيناها ، كما نرى الحقّ في الآخرة سواء ] . ( ولهذا ) أي : ولأجل عصمة اللّه تعالى الرائي من إضلال الشيطان في هذه الرؤيا ( يأخذ منه جميع ما يأمره به أو ينهاه ) أو غيره مما يخبره إذا ضبطه ؛ لكن قلما يتأتى ذلك للنائم ، ( كما كان يأخذ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحياة الدنيا من ) هذه الأمور ( على حسب ما يكون ) أي : يصدر ( منه اللفظ الدّال عليه من نص أو ظاهر ) ، وهما ما اتضحت دلالتهما على المقصود مع قطع احتمال الغير في الأول دون الثاني ( أو مجمل ) ، وهو ما لا تتضح دلالته على أحد الأمرين ، ( أو ما كان ) فلا مدخل للتأويل في صورته ، ولا فيما يأخذ عنه إلا فيما يقتضيه اللفظ لو صدر عنه حال الحياة . ( فإن أعطاه ) النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( شيئا ) مما يدخل تحت الحواس الظاهرة ، ( فإن ذلك الشيء هو الذي يدخله التعبير ) ؛ لأن الصور الخيالية كثيرا ما تغاير الصور المحسوسة للأشياء مع أخذ مناسبة بينهما ؛ لكن لا يجب تأويله بكل حال ، ( فإن خرج في الحس كما كان في الخيال ) لعدم تلبيس الخيال على الرائي ، ( فتلك الرؤيا لا تعبير لها ) ، وهذا في بعض المواطن ، ( وبهذا القدر ) القليل من الرؤيا الغير مفتقرة إلى التعبير ، ( وعليه اعتمد إبراهيم الخليل عليه السّلام ، وبقي بن مخلد ) في رؤياهما من غير نظر إلى حالهما في وقت الرؤيا هل كانا من تلبس عليهما الخيال أم لا ؟ ( ولما كان ) شرط جوابه في قوله : « علمنا في رؤيتنا » ( للرؤيا هذان الوجهان ) « 1 » المطابقة التامة لما في الحس تارة ، والمغايرة مع اعتبار مناسبة جلية لو خفية أخرى ، ( وعلمنا اللّه فيما فعل بإبراهيم ) من الفداء ؛ لأنه لما وقع في ذهنه الأدب إذ لم يكذب ظنه بالكلية ، ( وما قال له ) أي : وعلمنا فيما قال له : قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ، ولم يقل : لبس عليك خيالك فرأيت الكبش في صورة ابنك ، ( الأدب ) إذ تأدب مع جلالة قدره معه ( لما يعطيه ) أي : يقتضيه ( مقام النبوة ) من رعاية الأدب فنحن أولى برعايته مع الحق إذا رأيناه على خلاف ما يقتضيه الدليل العقلي ؛ لما يقتضيه غاية جلالة قدره لمكان ربوبيته مع غاية دناءة
--> ( 1 ) أي التعبير وعدمه .